ملخص
يحدّد هذا الدرس موضوع المنطق الرياضي: لا صدق الأقوال الجزئية، الذي يعود إلى كل علم، بل شكل الاستدلالات والصحة، أي العلاقة بين المقدمات والنتيجة التي تضمن أن صدق الأولى ينتقل إلى الثانية. ويعرّف القضية والحجة والمقدمة والنتيجة والشكل والمثال المضاد؛ ويميّز الصحة من الصدق بحجج صحيحة نتيجتها كاذبة وحجج غير صحيحة نتيجتها صادقة؛ ويبيّن لماذا لا تكفي اللغة الطبيعية، الملتبسة والقادرة على الحديث عن نفسها، لدراسة الصحة بصرامة، ويرسي التمييز بين اللغة الموضوع واللغة الواصفة، الذي يحكم الدورة كلها. ثم يعرض، بفرضياتها الصريحة وبراهينها، مفارقات الكذاب وبيري والحلاق، ومفارقة راسل التي يمهّد لها الحلاق، ويشرح كيف تتجنبها لغة صورية أو تحوّلها إلى مبرهنات. ويختم بالأركان الأربعة للمنطق الرياضي وبخريطة الدورة.
أهداف التعلم
- التمييز بين صحة حجة وصدق مقدماتها ونتيجتها، ونقض شكل غير صحيح ببناء مثال مضاد.
- التعرّف على أوجه الالتباس في اللغة الطبيعية وتدقيق كل قراءة لقول ملتبس.
- التمييز بين اللغة الموضوع واللغة الواصفة، وبين استعمال عبارة وذكرها.
- تحليل مفارقة: عزل فرضياتها، واستنتاج التناقض، وتقرير أي فرضية يجب التخلي عنها.
ماذا يدرس المنطق
كل معرفة لا تُكتسب بالملاحظة المباشرة تُكتسب بالاستدلال: من أقوال معيّنة مقبولة ننتقل إلى قول آخر يلزم عنها. ففي الهندسة، من يعلم أن مجموع زوايا المثلث يساوي قائمتين يستنتج أنه لا يوجد مثلث له زاويتان منفرجتان؛ وفي الطب، من يعلم أن مرضًا معيّنًا يسبب الحمّى، وأن الشخص المفحوص ليست به حمّى، يستبعد ذلك المرض. والمنطق هو العلم الذي يدرس متى يكون هذا الانتقال مشروعًا، والمنطق الرياضي هو الذي يدرسه بمناهج الرياضيات: بتعريف موضوعاته تعريفًا دقيقًا، وهي اللغات والصيغ والاستنتاجات، وبإثبات مبرهنات عنها.
ولكي نعبّر بدقة عمّا يدرسه، يحسن أن نثبّت المصطلحات أولًا. القضية جملة خبرية يكون لوصفها بالصدق أو بالكذب معنى: « عدد أولي» قضية صادقة؛ و«كل عدد زوجي أكبر من » قضية كاذبة. أما الأسئلة («كم الساعة؟») والأوامر («أغلق الباب») والعبارات ذات المتغيرات الحرة، مثل « زوجي»، التي تتوقف قيمتها على ما يدل عليه ، فليست قضايا.
الحجة قائمة من القضايا، هي المقدمات، مع قضية أخرى، هي النتيجة، تُقدَّم على أنها لازمة عنها. ويمكن أن تكون المقدمات أي قضايا: صادقة أو كاذبة، معلومة أو مجرد افتراضات؛ ولا يميّزها إلا الموضع الذي تشغله في الحجة. وسنكتب الحجج بوضع المقدمات في أسطر متتالية والنتيجة مسبوقة بكلمة «إذن»:
إذا كان عدد مضاعفًا لـ فهو زوجي. العدد مضاعف لـ. إذن، زوجي.
مقدماتها «إذا كان عدد مضاعفًا لـ فهو زوجي» و« مضاعف لـ»؛ ونتيجتها « زوجي».
المنطق ليس نظرية في الصدق
وإذا كان الأمر كذلك، فليس من شأن المنطق أن يتحقق من صدق مقدمات حجة ما. فكون مضاعفًا لـ يقرّره الحساب؛ ووجود الحمّى لدى شخص ما يقرّره ميزان الحرارة؛ وكون معركة قد وقعت في سنة معيّنة يقرّره التاريخ. وليس من شأنه كذلك أن يعرّف ما الصدق، فتلك مسألة تعود إلى الفلسفة. فالمنطق يسلّم بأن للقضايا قيمة صدق، أيًّا كانت، ويدرس كيف ترتبط هذه القيم فيما بينها: وبخاصة متى يُلزم صدقُ بعض القضايا بصدق قضية أخرى. وبعبارة أخرى، ليس المنطق نظرية في الصدق، بل نظرية في انتقال الصدق.
غير أن ما ينقل الصدق لا يتوقف على موضوع الحجة، بل على بنيتها. فلنقارن الحجة السابقة بهذه: «إذا كان حيوان ثدييًا فهو يتنفس الهواء؛ الحوت ثديي؛ إذن، الحوت يتنفس الهواء». فلكلتيهما الشكل نفسه: «إذا كان شيء فهو ؛ هو ؛ إذن، هو ». وشكل الحجة هو ما يبقى بعد أن نستبدل بحدودها غير المنطقية (الأعداد والحيوانات والخصائص) حروفًا، مع الإبقاء على الألفاظ المنطقية: «ليس» و«و» و«أو» و«إذا… فإن» و«كل» و«بعض». وكل حجة نحصل عليها من شكل بإعطاء حروفه مضمونًا هي حالة خاصة منه.
يكون الشكل صحيحًا حين لا تكون لأي حالة خاصة منه كل مقدماتها صادقة ونتيجتها كاذبة؛ وتكون الحجة صحيحة حين يكون شكلها صحيحًا. والحالة الخاصة ذات المقدمات الصادقة والنتيجة الكاذبة تسمى مثالًا مضادًا للشكل: ومن ثمّ يكون الشكل غير صحيح إذا وفقط إذا كان له مثال مضاد.
وسنستعمل في براهين هذا الدرس اختزالًا للعربية: يختصر « صادقة» و يختصر « كاذبة»؛ و يختصر «ليس»، و يختصر «و»، و يختصر «أو»، و يختصر «إذا… فإن»، و يختصر «إذا وفقط إذا»؛ و يُقرأ «لكل» و «يوجد». وهذه الرموز هنا مجرد اختصارات لألفاظ من اللغة الواصفة، والأسهم المزدوجة محفوظة في الدورة كلها لهذا الاستعمال. وفي الدرس التالي ستظهر الرموز ذات الخط الواحد، و، مع و و، اختصاراتٍ للغة صورية، بمعنى ستحدده الدورة بدقة؛ وسيذكّر الفرق في رسم الأسهم بالمستوى الذي نتكلم فيه.
إذا كانت حجة صحيحة وكانت كل مقدماتها صادقة، فنتيجتها صادقة. وبالتالي، إذا كانت لحجة صحيحة نتيجة كاذبة، فإحدى مقدماتها كاذبة.
البرهان
لتكن حجة صحيحة مقدماتها ونتيجتها ، ولنفترض أن كل المقدمات صادقة.
كل حجة حالة خاصة من شكلها نفسه: يكفي أن نعطي حروف الشكل المضمون الذي كان لها في الحجة.
بحسب تعريف الصحة، لا توجد حالة خاصة من هذا الشكل مقدماتها صادقة ونتيجتها كاذبة؛ وبخاصة لا تكون الحجة نفسها كذلك.
وبما أن المقدمات صادقة، فالشيء الوحيد الذي يمكن أن يختلّ في العطف المنفي هو كذب النتيجة: فالنتيجة صادقة.
وإذا كانت النتيجة، على العكس، كاذبة، فلا يمكن أن تكون كل المقدمات صادقة، لأن النتيجة تكون عندئذ صادقة.
تقول القضية ما تضمنه الصحة؛ ويحسن أن نرى بالوضوح نفسه ما لا تضمنه. فإذا جمعنا بين صحة الحجة وصدق كل مقدماتها وصدق نتيجتها، فمن التوافيق الثمانية الممكنة لا يُستبعد إلا توفيق واحد، هو توفيق الحجة الصحيحة ذات المقدمات الصادقة والنتيجة الكاذبة؛ أما البقية فتقع كلها.
كل عدد أولي فردي. العدد أولي. إذن، فردي.
الشكل هو شكل الحجة الأولى في الدرس نفسه، فالحجة صحيحة؛ ومع ذلك فنتيجتها كاذبة. والقضية السابقة تبيّن موضع الخلل: إحدى المقدمات كاذبة، وهي الأولى فعلًا، لأن أولي وزوجي. فالحجة الصحيحة لا تُنتج حقائق؛ إنما تحفظ ما تتلقاه منها.
إذا كان عدد مضاعفًا لـ فهو زوجي. العدد زوجي. إذن، مضاعف لـ.
المقدمات والنتيجة صادقة، ومع ذلك فالحجة غير صحيحة. فلشكلها، «إذا كان شيء فهو ؛ هو ؛ إذن، هو »، مثال مضاد: بالعدد مكان ، تبقى المقدمات صادقة («إذا كان عدد مضاعفًا لـ فهو زوجي»؛ « زوجي») وتكون النتيجة، « مضاعف لـ»، كاذبة. فصدق النتيجة الأصلية لا يأتي من المقدمات، بل من الحساب: . وهذا الشكل غير الصحيح، الشائع في الاستدلال اليومي، يسمى إثبات التالي.
ويلزم عن ذلك القاعدة العملية التي سيتمرّن عليها الدرس: لإظهار أن حجة غير صحيحة لا يكفي أن نشير إلى أن إحدى المقدمات أو النتيجة كاذبة، ولإظهار أنها صحيحة لا يكفي أن يكون كل ما فيها صادقًا؛ فالأول يقتضي تقديم مثال مضاد لشكلها، والثاني استدلالًا يصح في كل الحالات الخاصة.
اللغة الطبيعية واللغة الصورية
يقوم تعريف الصحة على عمليتين: التعرّف على شكل الحجة، والبتّ في كون القضية صادقة أو كاذبة. وكلتاهما تفترض أن لكل جملة قراءة واحدة. واللغة الطبيعية، العربية أو الصينية أو الإسبانية، التي يتعلمها البشر بلا تعليم نظامي ويستعملونها للتواصل، لا تستوفي هذا الشرط: فمرونتها، التي تجعلها صالحة للشعر والحديث وظلال المعنى، تجعلها أيضًا ملتبسة.
- الالتباس المعجمي: للكلمة عدة معانٍ. فجملة «نظرتُ إلى العين» قد تشير إلى عضو الإبصار أو إلى نبع الماء.
- الالتباس التركيبي: تحتمل الجملة عدة بنى. فعبارة «ضعف ثلاثة زائد أربعة» قد تكون أو .
- التباس المدى: لا يُعرف على أي جزء من الجملة تؤثر لفظة منطقية. فجملة «كل الطلاب لم ينجحوا» قد تعني أن أحدًا لم ينجح أو أن ليس كلهم نجحوا.
- الروابط غير الدقيقة: «أو» تسمح أحيانًا بأن يتحقق البديلان معًا («يُشترط مؤهل أو خبرة») وتمنع ذلك أحيانًا أخرى («شاي أو قهوة»)؛ و«إذا… فإن» تعبّر أحيانًا عن سبب، وأحيانًا عن قاعدة، وأحيانًا عن مجرد تعاقب.
ويُضاف إلى الالتباس سمة أعمق: اللغة الطبيعية قادرة على الحديث عن نفسها. ففيها الكلمات «جملة» و«صادق» و«يعرّف»، وبها تستطيع أن تكوّن جملًا تحيل إلى نفسها، مثل «هذه الجملة فيها خمس كلمات». وهذه الإحالة الذاتية غير مؤذية في العموم؛ لكنها، كما سنرى، إذا اقترنت بمفهوم الصدق أنتجت جملًا لا يمكن أن تكون صادقة ولا كاذبة.
وتُصمَّم اللغة الصورية لإزالة مصدرَي الصعوبة كليهما. فتُثبَّت أبجدية، أي تجمّع من الرموز، وقواعد تكوين تقول، دون أن تترك مجالًا للتأويل، أي متتاليات الرموز عبارات حسنة البناء؛ ثم يُثبَّت معنى كل عبارة بتعريفات بالدقة نفسها. وهكذا يصبح السؤال عن انتماء متتالية من الرموز إلى اللغة مسألة تُحسم آليًا، بفحص القواعد، وتُقرأ كل عبارة بطريقة واحدة. ولغة هذه الدورة، التي يبنيها الدرس عن لغة منطق القضايا، لها أبجدية من رمزين فقط، الدائرة والقرص ، وقاعدة تكوين واحدة.
والثمن هو المرونة: فاللغة الصورية لا تصلح للحديث، وكل لغة صورية لا تعبّر إلا عمّا تسمح به قواعدها. غير أنه ليس صحيحًا أن القدرة التعبيرية كلها يُضحّى بها: فاللغات الصورية لمنطق الرتبة الأولى تكفي لكتابة الرياضيات كلها تقريبًا. وما يُضحّى به هو الالتباس والإحالة الذاتية المنفلتة؛ وما يُكسب هو إمكان إثبات مبرهنات عن اللغة نفسها.
اللغة الموضوع واللغة الواصفة
لدراسة لغة لا بد من الحديث عنها، وللحديث عنها نحتاج إلى لغة أخرى. اللغة الموضوع هي اللغة المدروسة؛ واللغة الواصفة هي اللغة التي تُدرس بها. ففي كتاب نحو لاتيني مكتوب بالعربية، اللاتينية هي اللغة الموضوع والعربية هي اللغة الواصفة. وفي هذه الدورة، ستكون اللغة الموضوع هي اللغة الصورية للدوائر والأقراص، وستكون اللغة الواصفة هي العربية، مغناة برموز رياضية وبحروف يونانية، و، تدل على صيغ ما من اللغة الموضوع دون أن تنتمي إليها.
والتمييز جوهري لسبب دقيق: فالأقوال التي ستثبتها الدورة عن اللغة الصورية (أن كل صيغة تُقرأ بطريقة واحدة، وأن كل ما هو قابل للاستنتاج صادق) ليست صيغًا من اللغة الصورية، بل جملًا من اللغة الواصفة. ولذلك ستسمى مبرهنات ماورائية، تمييزًا لها من المبرهنات التي ينتجها النظام الاستنتاجي داخل اللغة الموضوع.
ومن الصور الأولية لهذا التمييز الفصلُ بين استعمال عبارة وذكرها. ففي «روما مدينة» تُستعمل الكلمة للحديث عن المدينة؛ وفي «“روما” مؤلفة من أربعة أحرف» تُذكر الكلمة، وعلامتا التنصيص تدلان على ذلك: فالجملة تتحدث عن الكلمة لا عن المدينة. والخلط بين الأمرين ينتج أقوالًا عبثية، مثل «روما مؤلفة من أربعة أحرف»، أو حججًا مغالطة، مثل «روما مدينة؛ “روما” كلمة من أربعة أحرف؛ إذن، المدينة كلمة من أربعة أحرف».
لنأخذ اللاتينية لغةً موضوعًا. فالجملة «Roma aeterna est» تنتمي إلى اللغة الموضوع. والجملة «“Roma aeterna est” فيها ثلاث كلمات» تنتمي إلى اللغة الواصفة، العربية، وهي صادقة. والجملة «الجملة السابقة مكتوبة بالعربية» تتحدث عن جملة من اللغة الواصفة: فهي تنتمي إلى مستوى ثالث، هو اللغة الواصفة للغة الواصفة، وإن كانت مكتوبة باللغة نفسها. ولا شيء يمنع لغة واحدة من أن تخدم في عدة مستويات؛ والمهم ألا يغيب عن نظرنا ما نتحدث عنه.
مفارقات اللغة
التناقض قول مع نفيه، مثل . والمفارقة استدلال ينطلق من فرضيات تبدو مقبولة ويتقدم بخطوات تبدو صحيحة فيصل إلى تناقض. وبحسب القضية «ما تضمنه الصحة»، إذا كانت الخطوات صحيحة حقًا فإحدى الفرضيات كاذبة: وحلّ المفارقة هو العثور على أيّها. ولا ينبغي الخلط بين المفارقة والالتباس، الذي ليس إلا تعدد القراءات، ولا بينها وبين ما هو مدهش فحسب.
الكذاب
تُنسب أقدم مفارقة من هذا النوع إلى يوبوليدس الملطي، في القرن الرابع قبل الميلاد. وهي في صيغتها الدقيقة لا تتحدث عن الكذب، الذي يفترض قصد الخداع، بل عن الكذب بمعنى عدم المطابقة: لتكن الجملة «الجملة كاذبة». وللوصول إلى التناقض تكفي فرضيتان، يحسن أن نكتبهما صراحة.
- ثنائية القيمة (B): كل قضية صادقة أو كاذبة، وليست الاثنين معًا؛ وكونها كاذبة يكافئ كونها غير صادقة.
- مخطط الصدق (T): تكون الجملة صادقة إذا وفقط إذا كان ما تقوله واقعًا. مثلًا، «الثلج أبيض» صادقة إذا وفقط إذا كان الثلج أبيض.
إن فرضيتَي ثنائية القيمة ومخطط الصدق، مطبّقتين على الجملة ، تؤديان إلى تناقض: لا سبيل إلى إسناد قيمة صدق إلى تحترمهما. وفي الرسم، تشير الجملة إلى نفسها، وتجتاز الأسهم الاحتمالين.
البرهان
بحسب ثنائية القيمة، صادقة أو كاذبة، وليست الاثنين معًا: كونها كاذبة هو كونها غير صادقة.
ما تقوله هو أن كاذبة. وبحسب مخطط الصدق، تكون صادقة تمامًا حين يكون ما تقوله واقعًا.
بوصل التكافؤين، يكافئ صدقُ نفيَه هو.
لو كانت صادقة، لما كانت صادقة بحسب التكافؤ مقروءًا من اليسار إلى اليمين: فالافتراض ينقض نفسه، و ليست صادقة.
لكن عندئذ، بحسب التكافؤ مقروءًا من اليمين إلى اليسار، تكون صادقة: فلدينا في آن واحد قول ونفيه.
لا تقول المبرهنة إن المنطق متناقض، بل إن الفرضيتين لا يمكن الأخذ بهما معًا في لغة تحتوي الجملة . فهناك إذن ثلاثة مخارج: التخلي عن ثنائية القيمة وقبول جمل بلا قيمة صدق؛ أو تقييد مخطط الصدق؛ أو منع اللغة من تكوين الجملة . والمخرج الثالث هو مخرج ألفرد تارسكي، سنة 1933: محمول «صادقة» في لغة ما لا ينتمي إلى تلك اللغة، بل إلى لغتها الواصفة. وفي لغة كهذه لا تكون جملة حسنة البناء، ولا يمكن صوغ المفارقة.
مفارقة بيري
نشر برتراند راسل هذه المفارقة سنة 1906 ونسبها إلى جورج بيري، أمين مكتبة في أكسفورد، وهي لا تستعمل كلمة «صادق»، بل كلمة «يعرّف». ويقال إن عبارة من العربية تعرّف عددًا طبيعيًا حين تصفه وصفًا يمكّن من تعيينه دون التباس: فعبارة «أصغر عدد أولي أكبر من عشرة» تعرّف العدد . ولننظر في العبارة «أصغر عدد طبيعي لا يمكن تعريفه بجملة تتكون من أقل من عشرين كلمة»، التي ينبغي أن تُقرأ كما هي مكتوبة تمامًا، ولنسمِّ العدد الذي تزعم تعريفه. والأعداد الطبيعية في هذه الدورة هي
إذا كانت مفردات العربية منتهية وكانت العلاقة «العبارة تعرّف العدد» محددة تحديدًا تامًا، وصلنا إلى تناقض: العدد موجود، وهو في آن واحد يمكن ولا يمكن تعريفه بأقل من عشرين كلمة. وفي الرسم، تُرسل العبارات القصيرة إلى الأعداد التي تعرّفها، وهي قليلة؛ وأول عدد يبقى حرًّا هو .
البرهان
ليكن عدد كلمات المعجم. العبارات ذات الكلمة الواحدة عددها على الأكثر؛ وذات الكلمتين على الأكثر؛ وهكذا حتى العبارات ذات التسع عشرة كلمة. فالعبارات ذات الأقل من عشرين كلمة عددها إذن عدد منتهٍ .
كل عبارة تعرّف عددًا واحدًا على الأكثر. ولتكن مجموعة الأعداد الطبيعية التي تعرّفها عبارة ما ذات أقل من عشرين كلمة: عدد عناصرها على الأكثر.
بين الأعداد الـ، أي ، يوجد عدد ليس في . وإذا اجتزناها بالترتيب، فأول عدد ليس في هو أصغر عدد طبيعي لا يمكن تعريفه بأقل من عشرين كلمة: فكل ما قبله في .
لكن العبارة «أصغر عدد طبيعي لا يمكن تعريفه بجملة تتكون من أقل من عشرين كلمة» فيها ثلاث عشرة كلمة، وهي تعرّف بالضبط.
فلدينا في آن واحد قول ونفيه.
والعرض الشائع، الذي يكتفي بملاحظة أن العبارة فيها أقل من عشرين كلمة، يُغفل نصف الحجة: أن العدد موجود، وهو ما يقتضي تناهي المفردات واختيار أول عدد ناقص. والفرضية التي تسقط هي الثانية: «يعرّف» ليست علاقة دقيقة في العربية، لأن العبارة التي تعرّف تستعمل كلمة «يعرّف» نفسها، ومعناها يتوقف على أي العبارات تُعدّ تعريفات. وفي لغة صورية يمكن تدقيق معنى «قابل للتعريف في »، لكن هذا المفهوم لا يُعبَّر عنه إلا في اللغة الواصفة؛ فالعبارة التي تعرّف لا تنتمي إلى ، ويزول التناقض: غير قابل للتعريف في برموز قليلة، وإن كان قابلًا للتعريف في اللغة الواصفة.
الحلاق ومجموعة راسل
تُروى مفارقة الحلاق عادة هكذا: في قرية حلاق، رجل من رجال القرية، يحلق لكل رجال القرية الذين لا يحلقون لأنفسهم، ولهم وحدهم. فهل يحلق الحلاق لنفسه؟ والكلمتان «لهم وحدهم» جوهريتان: فالحلاق الذي يحلق لكل من لا يحلقون لأنفسهم، دون هذا القيد، يمكنه أن يحلق لنفسه أيضًا دون أي تناقض. والمفارقة حالة خاصة من توطئة عامة، قطرية الشكل، يحسن إثباتها مرة واحدة.
لتكن تجمّعًا من الأشياء و علاقة بينها، بحيث يكون، لكل زوج و من أشياء ، القول صادقًا أو كاذبًا. عندئذ لا يوجد أي شيء من بحيث يتحقق، لكل من ، إذا وفقط إذا لم يتحقق . وفي الرسم، كل صف شيء وكل عمود شيء ، وتكون الخانة ممتلئة حين يتحقق ؛ والصف الذي نبحث عنه لـ ينبغي أن يقلب القطر، ولذلك يختلف عن كل صف في خانته القطرية.
البرهان
لنفترض أنه يوجد مثل هذا في .
الشرط يتحقق لكل من ، و واحد منها: فيمكننا أن نأخذ .
إذا تحقق ، فبحسب التكافؤ لا يتحقق: تناقض.
وإذا لم يتحقق ، فبحسب التكافؤ يتحقق: تناقض أيضًا.
وبما أنه لا بد من وقوع إحدى الحالتين، فالافتراض لا يصمد: لا يوجد مثل هذا .
لا يوجد في أي قرية رجل من رجالها يحلق لكل رجال القرية الذين لا يحلقون لأنفسهم، ولهم وحدهم.
البرهان
لتكن تجمّع رجال القرية و العلاقة « يحلق لـ». الحلاق رجل من رجال القرية، فهو في ؛ وكونه حلاقًا كما وُصف يعني أنه يحلق لكل رجل من رجال القرية تمامًا حين لا يحلق ذلك الرجل لنفسه.
بحسب التوطئة القطرية، لا يستوفي أي رجل من رجال القرية هذا الشرط: فالحلاق الموصوف غير موجود. فالقصة ليست مفارقة، بل برهان على أن بطلها مستحيل.
ونتيجة الحلاق غير مؤذية: فلم يزعم أحد أن مثل هذا الحلاق موجود. وليس الأمر كذلك في صيغتها في نظرية المجموعات. ففي سنة 1902 كتب راسل إلى غوتلوب فريغه أن نظامه، الذي كان يطمح إلى تأسيس الحساب على المنطق، يقبل مبدأ الفهم الآتي: لكل خاصية توجد مجموعة عناصرها هي بالضبط الأشياء التي لها تلك الخاصية. وإذا طُبّق المبدأ على خاصية عدم الانتماء إلى الذات، أكّد وجود المجموعة
مبدأ الفهم، بلا قيود، متناقض.
البرهان
لتكن تجمّع كل المجموعات و العلاقة « ينتمي إلى ». إن مبدأ الفهم، مطبّقًا على الخاصية ، يؤكد وجود مجموعة عناصرها هي المجموعات التي لا تنتمي إلى نفسها.
بالعلاقة المختارة، يكون شرط هو بالضبط شرط التوطئة القطرية، مع مكان : فـ هي ، و هي .
المجموعة مجموعة، فهي في ؛ وبحسب التوطئة القطرية لا توجد مثل هذه ، وبأخذ نحصل على التكافؤ المستحيل. لكن المبدأ يؤكد وجودها. فالمبدأ يستلزم إذن تناقضًا.
وعلى خلاف الحلاق، لم يكن وجود هنا افتراضًا في حكاية، بل مبدأً من مبادئ النظرية. ومفارقة راسل لا تُحلّ بالتصريح بأن غير موجودة، بل بإصلاح النظرية: فنظرية المجموعات المسلّماتية لزيرميلو، سنة 1908، لا تسمح بأن نكوّن بخاصيةٍ إلا مجموعات جزئية من مجموعة معطاة سلفًا، ومع هذا القيد لا يُستنتج التناقض.
ما ليس مفارقة
سُمّيت أحيانًا «مفارقة المجموعة الخالية» ملاحظةُ أن المجموعة الخالية موجودة مع أنها بلا عناصر، كأن الشيء الموجود يجب أن يكون مصنوعًا من أشياء موجودة. وليس في ذلك أي تناقض: فالمجموعة ليست مصنوعة من عناصرها كما يُصنع الجدار من لبناته، بل هي متعيّنة بها، وتجمّع عناصر مجموعة ما قد لا يحتوي أي عنصر، كما يبقى الصندوق الفارغ صندوقًا. وكون الواقعة مدهشة لا يجعلها مفارقة؛ فالمفارقة تقتضي استنتاج تناقض، ولا يُستنتج هنا أي تناقض.
كيف تعالجها لغة صورية
ويلزم عمّا سبق أن اللغة الصورية لا تتجنب المفارقات بضرب من السحر، بل بطريقتين دقيقتين. الأولى أنها قد تفتقر إلى الوسائل التي تنتجها. فلغة منطق القضايا، التي تبنيها هذه الدورة، ليس فيها جمل تحيل إلى نفسها ولا محمول للصدق: فلا يمكن أن تُكتب فيها جملة الكذاب، ودلالتها تسند إلى كل صيغة، في كل إسناد للمتغيرات، قيمة صدق وحيدة. والثانية أن المفارقة، في لغات أغنى، تتحول إلى مبرهنة: فاستدلال الكذاب، إذا أُجري بصرامة، يثبت أن صدق لغة كافية التعبير غير قابل للتعريف في تلك اللغة نفسها (تارسكي)؛ واستدلال الحلاق وراسل يثبت أن بعض التجمّعات ليست مجموعات؛ وحجج قريبة من حجة بيري تقع في صميم مبرهنتَي عدم التمام لكورت غودل، سنة 1931. وهكذا فما هو في اللغة الطبيعية حيرة، هو في لغة صورية معلومة.
الأركان الأربعة للمنطق الرياضي
نشأ المنطق الرياضي في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، مع فريغه وبيانو وراسل وديفيد هلبرت، جوابًا عن سؤال دقيق: على أي أسس تقوم الرياضيات، وهل هذه الأسس خالية من التناقض. ويُقسم اليوم إلى أربعة فروع كبرى تتشابك على الدوام.
- نظرية البرهان: تدرس البراهين الصورية بوصفها موضوعات رياضية، أي بوصفها متتاليات منتهية من الصيغ تتبع قواعد صريحة؛ وتسأل عمّا يمكن إثباته في نظام ما، وعمّا إذا كان النظام متسقًا، وكيف تتحول البراهين بعضها إلى بعض. ووحدة «الاستنتاج» في هذه الدورة أول اتصال بها.
- نظرية النماذج: تدرس العلاقة بين لغة صورية والبنى التي تؤوّلها، أي نماذجها؛ وتسأل أي البنى تحقق مجموعة من الصيغ، وأي خصائص البنى يمكن التعبير عنها في لغة معطاة. ووحدة «الدلالة»، بتقييماتها لقيم الصدق، هي صيغتها الأولية.
- نظرية المجموعات: تدرس المجموعات بمسلّمات دقيقة، مثل مسلّمات زيرميلو وفرنكل، التي يمكن أن تُكتب فيها الرياضيات كلها تقريبًا؛ وقد نشأت، إلى حد بعيد، من الحاجة إلى تجنب مفارقة راسل.
- نظرية الحوسبة: تدرس أي المسائل يمكن حلها بإجراء آلي وأيها لا يمكن. ومنطق القضايا قابل للتقرير، كما سترى الدورة: يوجد إجراء يقرّر في عدد منتهٍ من الخطوات هل الصيغة صحيحة منطقيًا؛ أما منطق المحمولات فليس كذلك.
ولا يُدرس ركن بعمق دون مسّ الأركان الأخرى: فالتمام، وهو النتيجة المركزية في هذه الدورة، مبرهنة في نظرية البرهان وفي نظرية النماذج معًا، وقابلية التقرير التي تُستخلص منه تنتمي إلى نظرية الحوسبة.
خريطة الدورة
تقطع الدورة، في أبسط لغات المنطق، لغة منطق القضايا، الطريق الكامل لنظرية منطقية، في أربع وحدات.
- اللغة: النحو. تُبنى اللغة الموضوع بأبجديتها ذات الرمزين وقاعدة تكوينها، ويُثبت أن كل صيغة تُقرأ بطريقة واحدة، ونتعلم الإثبات بالاستقراء، وتُترجم إلى اللغة الصورية أقوال وحجج من اللغة الطبيعية، مع بيان ما تحفظه الترجمة وما تفقده.
- الاستنتاج: يُثبَّت نظام من المسلّمات وقواعد الاستدلال، ويُعرَّف ما يعنيه أن تُستنتج صيغة من مجموعة صيغ ، وهو ما يُكتب . وهو الوجه النحوي للصحة: معالجة الرموز وفق قواعد، دون التفات إلى معناها.
- الدلالة: تُسند إلى كل صيغة قيمة صدق في كل إسناد، ويُعرَّف ما يعنيه أن تكون نتيجة لـ، وهو ما يُكتب : كل إسناد يجعل صيغ صادقة يجعل صادقة. وهو الوجه الدلالي للصحة، أي تعريف هذا الدرس وقد صار دقيقًا.
- ما وراء النظرية: يُثبت أن الوجهين يتطابقان. فالسلامة تقول إن كل ما هو قابل للاستنتاج نتيجة، والتمام يقول إن كل نتيجة قابلة للاستنتاج. ثم تُدرس التراص وطريقة آلية، هي الحلّ، للبتّ في إمكان تحقيق مجموعة من الصيغ.
وإذا كان الأمر كذلك، فالدورة هي أول مثال كامل على نظرية رياضية موضوعها الاستدلال نفسه؛ وكل أقوالها عن اللغة الصورية ستكون، كما رأينا في هذا الدرس، جملًا من اللغة الواصفة مُثبتة بصرامة الرياضيات.
مسائل محلولة
تمرّن المسائل الآتية، بصعوبة متزايدة، على تمييزات الدرس: نقض حجة كل جملها صادقة، والفصل بين قراءات قول ملتبس، وتصنيف عبارات من اللغة الموضوع ومن اللغة الواصفة، وتحليل استدلالين يبدوان مفارقتين لتقرير هل هما كذلك.
بيّن أن الحجة الآتية غير صحيحة، مع أن مقدماتها ونتيجتها صادقة: «كل مضاعف لـ زوجي؛ العدد زوجي؛ إذن، مضاعف لـ».
الحل
نختصر « مضاعف لـ» بـ و« زوجي» بـ. المقدمات والنتيجة صادقة، لأن .
نحصل على الشكل بأن نضع مكان الاسم حرفًا : مقدمتان ونتيجة.
نبحث عن حالة خاصة مقدماتها صادقة: الأولى لا تتوقف على ، والثانية تطلب عددًا زوجيًا. نأخذ .
نتيجة هذه الحالة الخاصة كاذبة، لأن ليس مضاعفًا لـ.
للشكل مثال مضاد: فهو غير صحيح، والحجة كذلك. وصدق نتيجتها يأتي من الحساب، لا من المقدمات.
لتكن قائمة الأعداد و و. بيّن أن الجملة «كل أعداد ليست أولية» لها قراءتان، وأن إحداهما صادقة والأخرى كاذبة في هذه القائمة.
الحل
نختصر « أولي» بـ. القراءة الأولى: النفي يتعلق بكل عدد، والجملة تقول إن لا عدد منها أولي.
القراءة الثانية: النفي يتعلق بالقول كله، والجملة تقول إنها ليست كلها أولية.
بما أن أولي، فالحد الأخير من القراءة الأولى كاذب، ومعه العطف كله: القراءة الأولى كاذبة.
بما أن ليس أوليًا، فعطف القراءة الثانية كاذب، ونفيه صادق: القراءة الثانية صادقة.
القراءتان غير متكافئتين: الأولى تستلزم الثانية، لا العكس، وهذه القائمة تبيّن ذلك. وفي الرياضيات تُكتب الثانية «ليست كل أعداد أولية»، والأولى «لا عدد من أعداد أولي».
لنأخذ لغةً موضوعًا متتاليات الرمزين و، ولغةً واصفةً العربية، مع حروف يونانية تدل على متتاليات ما. صنّف كلًا من العبارات الآتية وقرّر، حين يكون لذلك معنى، هل هي صادقة: (أ) ؛ (ب) « فيها ثلاثة رموز»؛ (ج) «لكل متتالية ، تبدأ المتتالية بقرص»؛ (د) « صادقة».
الحل
العبارة (أ) تنتمي إلى اللغة الموضوع: إنها متتالية من الرموز، لا جملة من العربية، وليست صادقة ولا كاذبة؛ نتحدث عنها، لكنها هي لا تقرّر شيئًا.
العبارة (ب) جملة من اللغة الواصفة تذكر المتتالية (أ) وتعدّ رموزها: وهي صادقة.
العبارة (ج) جملة من اللغة الواصفة. فالحرف ليس رمزًا من اللغة الموضوع، بل متغير من اللغة الواصفة يجتاز متتالياتها؛ والجملة صادقة، لأن تبدأ، بحكم البناء، بالقرص.
العبارة (د) تنتمي إلى اللغة الواصفة، لكن ليست لها بعدُ قيمة صدق: فالمتتالية ستكون متغيرًا من لغة الدورة، والمتغير ليس صادقًا ولا كاذبًا بذاته، بل فقط حين يعطيه إسنادٌ قيمةً، في وحدة «الدلالة». وفي الدرس التالي ستُسمى .
على سبورة كُتبت الجملة ، وربما معها جمل أخرى: «كل جملة مكتوبة على هذه السبورة كاذبة». بقبول ثنائية القيمة ومخطط الصدق، أثبت أن كاذبة وأن على السبورة جملة أخرى صادقة؛ واستنتج أن المفارقة تقع إذا وفقط إذا لم تكن على السبورة جملة أخرى صادقة، كما يحدث إذا كانت الجملة الوحيدة.
الحل
لتكن مجموعة جمل السبورة؛ و إحداها. بحسب مخطط الصدق، تكون صادقة إذا وفقط إذا كانت كل جمل كاذبة.
لو كانت صادقة، لكانت كل جمل كاذبة، و في : فتكون كاذبة، وبحسب ثنائية القيمة غير صادقة. فالافتراض ينقض نفسه.
إذن، ليست صادقة؛ وبحسب ثنائية القيمة، هي كاذبة.
بحسب مخطط الصدق، كون كاذبة يعني أن ليست كل جمل كاذبة: فإحداها صادقة، وليست ، لأنها كاذبة.
إذا كانت على السبورة جملة أخرى صادقة، فكل شيء متسق: كاذبة فحسب. أما إذا لم تكن أي جملة أخرى صادقة، فلا يوجد أي مختلف عن في يكون صادقًا، ونحصل على تناقض، كما في الكذاب؛ وهذا ما يحدث خصوصًا حين تكون الجملة الوحيدة على السبورة. فظهور المفارقة يتوقف إذن على واقعة تجريبية: ما هو مكتوب على السبورة.
يكون النعت ذاتي الوصف إذا انطبق على نفسه («عربي» كلمة عربية؛ «مكتوب» مكتوب) وغيري الوصف إذا لم ينطبق («إنجليزي» ليست كلمة إنجليزية؛ «فرنسي» ليست كلمة فرنسية). أثبت أنه إذا كان «غيري الوصف» نعتًا وكانت العلاقة «ينطبق على» محددة تحديدًا تامًا لكل النعوت، وصلنا إلى تناقض؛ وقرّر أي فرضية يجب التخلي عنها.
الحل
لتكن تجمّع نعوت العربية و العلاقة «النعت ينطبق على الكلمة ». يكون النعت ذاتي الوصف إذا تحقق وغيري الوصف إذا تحقق .
ليكن النعت «غيري الوصف». بحسب تعريفه، ينطبق على نعت تمامًا حين لا ينطبق ذلك النعت على نفسه.
إذا كان نعتًا، فهو في ، وشرطه هو شرط التوطئة القطرية. وبأخذ نحصل على التكافؤ المستحيل.
بحسب التوطئة القطرية، لا يستوفي أي شيء من شرط . فإذا كان في ، كان هناك تناقض.
والفرضية التي تسقط هي الثانية: «ينطبق على» ليست علاقة دقيقة في نعوت تُعرَّف هي نفسها، مثل «غيري الوصف»، بهذه العلاقة ذاتها. وفي لغة صورية، تُعرَّف العلاقة في اللغة الواصفة، ولا ينتمي النعت إلى اللغة الموضوع، فيكون الشرط كاذبًا ولا يكون هناك تناقض.
مسائل مقترحة
تمرّن المسألتان الأوليان على الصحة والالتباس؛ والثالثة على الاستعمال والذكر؛ وتطلب الأخيرتان تحليل مفارقة جديدة وتطبيق التوطئة القطرية خارج اللسانيات. ولكل منها تلميح، يحسن ألا يُفتح إلا بعد المحاولة.
لننظر في الشكلين الآتيين: (أ) «إذا فإن ؛ ليس ؛ إذن، ليس »؛ (ب) «إذا فإن ؛ ليس ؛ إذن، ليس ». قرّر أيهما صحيح وأيهما ليس كذلك؛ وابنِ للشكل غير الصحيح مثالًا مضادًا بأقوال عن الأعداد، واشرح للشكل الصحيح لماذا لا يمكن لأي حالة خاصة منه أن تكون مثالًا مضادًا.
تلميح
للشكل (ب)، ابحث عن استلزام صادق بين خصائص الأعداد، مثل «إذا كان مضاعفًا لـ فهو زوجي»، وعن عدد ليست له الخاصية الأولى لكن له الثانية. وللشكل (أ)، افترض أن المقدمات صادقة واسأل نفسك ماذا يحدث لو كانت صادقة.
الإجابة
الشكل (أ)، المسمى modus tollens (رفع التالي)، صحيح: إذا كانت المقدمات صادقة وكانت صادقة، لكانت صادقة أيضًا، خلافًا للمقدمة الثانية. والشكل (ب)، نفي المقدَّم، غير صحيح: «إذا كان مضاعفًا لـ فإن زوجي؛ ليس مضاعفًا لـ؛ إذن، ليس زوجيًا» مقدماتها صادقة ونتيجتها كاذبة.
يقول إعلان: «للدخول يلزم جواز سفر أو بطاقة هوية وتأشيرة». اكتب قراءتيه بالحروف (جواز السفر) و (بطاقة الهوية) و (التأشيرة)، وصف شخصًا تسمح له إحدى القراءتين بالدخول ولا تسمح له الأخرى.
تلميح
السؤال هو: هل التأشيرة ترافق بطاقة الهوية وحدها أم أيًّا من الوثيقتين؟ جرّب شخصًا لديه وثيقة واحدة فقط.
الإجابة
القراءتان هما و. فالشخص الذي معه جواز سفر وليست معه تأشيرة يمكنه الدخول بحسب الأولى لا بحسب الثانية.
قرّر هل تتحدث كل جملة عن المدينة أم عن الكلمة، وهل هي صادقة أم كاذبة: (أ) «روما مؤلفة من أربعة أحرف»؛ (ب) «“روما” مؤلفة من أربعة أحرف»؛ (ج) «“روما” عاصمة إيطاليا»؛ (د) «الجملة “روما عاصمة إيطاليا” تحتوي الكلمة “روما”».
تلميح
علامات التنصيص تحوّل العبارة إلى اسم لتلك العبارة. اسأل نفسك، في كل حالة، أي شيء يدل عليه المبتدأ في الجملة: مدينة أم كلمة أم جملة.
الإجابة
(أ) تتحدث عن المدينة وهي كاذبة، لأن المدينة ليست لها أحرف. (ب) تتحدث عن الكلمة وهي صادقة. (ج) تتحدث عن الكلمة وهي كاذبة، لأن الكلمة ليست عاصمة. (د) تتحدث عن جملة وعن كلمة، وهي صادقة.
على أحد وجهي بطاقة كُتبت الجملة : «الجملة صادقة»؛ وعلى الوجه الآخر الجملة : «الجملة كاذبة». بقبول ثنائية القيمة ومخطط الصدق، أثبت أنه لا سبيل إلى إسناد قيم صدق إلى و. وماذا يحدث إذا قالت ، بدلًا من ذلك، «الجملة صادقة»؟
تلميح
اكتب مخطط الصدق لكل جملة، وصِل التكافؤات حتى تحصل على تكافؤ يربط بنفسها. وفي الصيغة البديلة، افعل الشيء نفسه وتحقّق أي إسنادات للقيم تستوفيه.
الإجابة
في الصيغة الأولى نحصل على ، كما في الكذاب، دون أن تتحدث أي جملة عن نفسها. وفي الصيغة البديلة، يقبل إسنادين، كلتاهما صادقتان أو كلتاهما كاذبتان: لا تناقض، لكن لا شيء يرجّح أحدهما على الآخر.
الحل المفصل
الحل
بحسب مخطط الصدق، تكون صادقة تمامًا حين تكون صادقة.
بحسب مخطط الصدق، تكون صادقة تمامًا حين تكون كاذبة؛ وبحسب ثنائية القيمة، كونها كاذبة هو كونها غير صادقة.
بوصل التكافؤين، يكافئ صدقُ نفيَه هو، ونستدل كما في الكذاب: إذا كانت صادقة فليست صادقة، وإذا لم تكن صادقة فهي صادقة.
في الصيغة البديلة، يعطي مخطط الصدق لـ التكافؤ ، الذي لا يقتضي مع التكافؤ الأول إلا أن تكون للجملتين القيمة نفسها: فهناك إسنادان متسقان ولا تناقض.
لتكن قائمة ما من المتتاليات اللانهائية من الأصفار والآحاد، ولنكتب للحد ذي الرتبة من المتتالية . أثبت، بالتوطئة القطرية، أن المتتالية المعرّفة بـ حين ، و حين ، لا ترد في القائمة. واستنتج أن لا قائمة مرقّمة تحتوي كل متتاليات الأصفار والآحاد.
تلميح
خذ تجمّعًا الأعداد الطبيعية، وعلاقةً القول . أي شرط يستوفيه عدد بحيث ؟
الإجابة
لو كان ، لاستوفى العدد الشرط لكل ، وهو ما تمنعه التوطئة القطرية. إذن، تختلف عن كل في الحد ذي الرتبة على الأقل، ولا قائمة تحتوي كل المتتاليات.
الحل المفصل
الحل
لتكن مجموعة الأعداد الطبيعية و القول إن الحد ذا الرتبة من يساوي .
بحسب تعريفها، تساوي تمامًا حين لا تساوي العدد .
لنفترض أن ترد في القائمة في الموضع ، أي . عندئذ، لكل ، يكافئ القول ، الذي يكافئ .
بحسب التوطئة القطرية، لا يستوفي أي هذا الشرط: فالمتتالية لا ترد في القائمة. وتحديدًا، تختلف عن في الحد ذي الرتبة .
وبما أن القائمة كانت أيّ قائمة، فلا قائمة مرقّمة تحتوي كل متتاليات الأصفار والآحاد: ينقص كل قائمة، على الأقل، متتاليتها القطرية.